المحاور

منهج المبطلين في إثارة الأباطيل عن القرآن

الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، فهذه كلمات في حكاية منهج المبطلين وأصول أخطائهم ، وليس المراد تتبع أفراد الشبهات، فإن ذلك له مقام آخر يطول الكلام فيه.

 

فمن منهجهم :

 

أ. الكذب في اختراع الأُبطولة:

الكذب حيلة من لا حيلة عنده ولا دليل، وهو مسلك درج في ظلماته مثيرو الشبهات والأباطيل حول القرآن الكريم حين أعيتهم الحيل أن يجدوا في القرآن مطعناً وملمزاً.

وصور كذبهم كثيرة، أكتفي بالتمثيل لها مبتدئاً بما قاله وهيب خليل في سياق حديثه عن معجزات المسيح المذكورة في القرآن: “وإن كان بعض المفسـرين يحاولون أن يقللوا من شأن السيد المسيح في المقدرة قائلين: إنه يصنع هذا بأمر الله، فنجد أن الإسلام يشهد أن هذه المقدرة هي لله فقط”(1).

ومن المعلوم عند كل مسلم أو غيره مطلع على القرآن الكريم أن الذي أحال معجزات المسيح إلى قدرة الله وإذنه هو القرآن الكريم، وليس مفسـروه ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ﴾ (المائدة: 110).

ومن الكذب زعم مؤلفي كتاب “التعليقات على القرآن” أن حفاظ القرآن الأربعة ماتوا قبل جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق : “أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد .. فإن هؤلاء الأربعة ماتوا قبل جمع القرآن .. ولما رأى أبو بكر هذا الحال جزع من ضياع القرآن”(2).

 

وقولهم هذا كذب صراح ولا ريب ، لأن هؤلاء الأربعة أدركوا جميعاً عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، أي أدركوا جمع أبي بكر ، فأبو الدرداء  ولي قضاء دمشق في عهد عمر ، ومات قبل موت عثمان  بسنتين.

ومعاذ بن جبل  مات في خلافة عمر  في طاعون عمواس سنة 17هـ.

وأما ثالثهم زيد بن ثابت فهو من جمع القرآن في عهد الصديق ثم عثمان ، ومات سنة 45 هـ، أي في زمن معاوية رضي الله عن الجميع.

ورابعهم أبو زيد سعد بن عبيد الأنصاري  ، وقد قتل يوم القادسية في زمن الخليفة عمر بن الخطاب (3).

 

ومن صور الكذب أيضاً طعن القس العربي الفلسطيني أنيس شروش في عربية القرآن أمام جمهور من الأعاجم الذين لا يعرفون العربية، بقوله: “لكن محمداً استعمل كثيراً من الكلمات والجمل الأجنبية في القرآن … في كتاب ادعى أن الله أوحاه بالعربية”(4)، ومن المؤكد أن القارئ العربي يعرف أنه لا يوجد في القرآن جملة واحدة غير عربية ، فقد نزل بلسان عربي مبين، لكن الدكتور شروش يهذي بهذا أمام أعاجم، ولا يستحي من الكذب عليهم.

 

ب. تحريف معاني النصوص وتفسيرها بمعان مشكلة :

يلجأ الطاعنون في القرآن إلى تحريف ألفاظ النصوص الإسلامية وتفسيرها بمعان مشكلة لا يوافق عليها عالم من علماء المسلمين ، ومن ذلك قول البابا شنودة: “ولم يقتصر القرآن على الأمر بحسن مجادلة أهل الكتاب، بل أكثر من هذا، وضع القرآن النصارى في مركز الإفتاء في الدين، فقال: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ (يونس: 94)، وقال أيضاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (النحل: 43)(5).

ومن صور التحريف للمعاني ما صنعه القس أنيس شروش مع مستمعيه الإنجليز بقوله: “أنتم معشر المسلمين تعتقدون أن المسيح ما زال على قيد الحياة .. لكننا إذا قارنا هذا بما جاء في القرآن ؛ فإننا سنجد تناقضاً ، فإن القرآن يقول: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ (مريم: 33 ) قرأها بالعربية صحيحة ، ثم ترجمها لمستمعيه: “وسلام علي يوم ولدت، ويوم مت، ويوم أبعث حياً”(6) ، فحوَّل الأفعال المضارعة – التي يراد منها المستقبل – إلى أفعال ماضية ؛ مستغلاً جهل مستمعيه بلغة العرب.

 

ج. بتر النصوص وإخراجها عن سياقها:

ويعمد مثيرو الأباطيل إلى بتر النصوص واجتزائها، فيختارون من النص ما يعجبهم، ويدَعون ما لا يوافق هواهم وباطلهم، ومن ذلك ما صنعه القمُّص زكريا بطرس وهو يستدل لعقيدة التثليث بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ (النساء: 171)، فقد تعامى عن أول الآية وتمامها؛ لما فيهما من تنديد بالتثليث ووعيد لأهله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلاً  لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لله وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُـرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ (النساء: 171-172).

 

ومن صور البتر والتحريف ما رأيته عند عدد من كُتَّاب النصارى وقسسهم(7)، فقد زعموا أن الرازي كان يستشكل القول بنجاة المسيح من الصلب ووقوع الشبه على غيره، ثم يسوقون كلاماً طويلاً للرازي ملخصه أن القول بصلب غير المسيح بدلاً عنه فيه ست إشكالات، نقل هذه الإشكالات عنه ثروت سعيد، وعقَّب عليها بالقول: “انتهى للإمام فخر الدين الرازي، ولا تعليق”، وهو يوهم قراءه أن هذه الإشكالات يستشكلها الرازي، فيقول: “ولهذا لم يكن بُدٌّ لعالم نزيه كالإمام العلامة فخر الدين الرازي أن يفند قصة الشبه تفنيداً محكماً”(8).

 

والحق أن الرازي رحمه الله ذكر الإشكالات الستة التي يستشكلها النصارى وغيرهم على قول القرآن بنجاة المسيح ، ثم لما انتهى من سردها شرع في الرد عليها جميعاً، فقال : ” فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات : والجواب عن الأول … والجواب عن الثاني …”.

 

د. محاكمة القرآن إلى مصادر ومعلومات غير موثوقة :

ويلجأ الطاعنون في القرآن من النصارى في إلقاء شبهاتهم إلى محاكمة القرآن إلى مصادر مرفوضة ومطعون في موثوقيتها كالكتاب المقدس الذي يرى المسلمون والمحققون من أهل الكتاب أنه أسفار تاريخية كتبها مجهولون، ونُسبت إلى الأنبياء بلا سند يوثقها، ومن ذلك تكذيبهم القرآن حين خالفهم في تسمية والد إبراهيم عليه السلام بـ آزر (انظر الأنعام: 74)، وحجتهم أن التوراة سمته تارح (انظر التكوين 11/27).

وكذلك كذبوا القرآن الكريم حين تحدث عن كفالة زوجة فرعون لموسى (انظر القصص: 9)، لأن التوراة تقول: إن الذي كفله ابنة فرعون (انظر الخروج 2/5-7).

كما يولع الطاعنون في القرآن بالغرائب الموجودة في كتب بعض المفسـرين، وهي في جملتها منقولة من مرويات وأخبار أهل الكتاب، فيخلطون بينها وبين القرآن، ويجعلون معانيها المنكرة حجة عليه، وفي هذا مجافاة للموضوعية؛ فإن كتب الرجال يحتج لها بالقرآن ، ولا يحتج بها عليه.

ومن ذلك ما نقله الطاعنون عن بعض كتب التفسير لقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (ص: 21)، فقد أوردوا قصة مزعومة باطلة، وملخصها أن داود عليه السلام رأى امرأة جاره تستحم، فأولع بها، فأرسل زوجها للقتل في الحرب، ثم تزوجها ، وأن الله عاتبه على فعله، فبكى أربعين يوماً حتى نبت العشب من دموع عينيه(9)، فهذه القصة الخرافية المستنكرة في معانيها منحولة في أصلها من أسفار التوراة (انظر: صموئيل (2) 11/1-26)، ولم ترد في كتب المسلمين مرفوعة إلى النبي   بإسناد صحيح أو ضعيف.

 

 

_____________________________________________________________________

1-استحالة تحريف الكتاب المقدس، وهيب خليل، ص (133).

2-تعليقات على القرآن، ص (29).

3-انظر تراجم الأربعة في الإصابة في معرفة الصحابة، ابن حجر (4/747، 6/136، 2/592، 3/68).

4-مناظرة: القرآن الكريم والكتاب المقدس. أيهما كلام الله؟ أحمد ديدات وأنيس شروش ، ص (115-116).

5-بين القرآن والمسيحية ، البابا شنودة، ص (4)، وسيأتي دفع هذه الأبطولة.

6-القرآن والكريم والكتاب المقدس. أيهما كلام الله؟ أحمد ديدات ، ص (45).

7- انظر : حقيقة التجسد، ثروت سعيد ، ص (325)، وقد صنعه القس أسعد وهبة في مناظرته لي حول مسألة “صلب المسيح في العهد الجديد”، وهي منشورة على الشبكة العنكبوتية.
8- انظر : حقيقة التجسد، ثروت سعيد ، ص (324-326).
9- انظر: جامع البيان، الطبري (21/184).