المحاور

الله العظيم والإنسان الحقير

سؤال يتبادر لذهن البعض وهو لماذا يهتمُّ الله العظيم بمعصية إنسانٍ له على كوكبٍ صغيرٍ في هذا الكون ؟

الجواب :

الحمدلله على كماله وعدله الذي لم يجعل محلَّ نظره إلى أحجامنا مقارنةً بما هو أعظمُ منا ، إنما إلى أعمالنا وقلوبنا ، وتعالى عن قولِ الظالمين الذين من لوازم قولِهم أن الله يرى من يقتل الملايين فيقول: حقير قتل مثله . أما بعد ،،،

يتبيّن بطلان هذا السؤال من خلال النقاط التالية :

١- المعترض نظر لعظمة الله فقط دون أن ينظرَ لعدله وحكمته ورحمته ، وهذا خطأٌ منهجيٌّ ، لأن الواجب عليه الجمعُ بين الصفات لا النظر في أحادها ، كما أن صفة الحكمة تثبت بنفس الدليل الذي أثبتَ به صفة العظمة.

٢- اللهُ كرمَ الإنسانَ عن باقي المخلوقات بحرِّيةِ الإرادة ، ومن لوازم تلك الحرِّية أن يكون هناك مَن سيختارُ الخيرَ كالعدل والتضحية والصدق ، وهناك من سيختار الشرَّ كالظلم والأنانية والكذب ، ومن اختار الشر سيوقِعُ الضررَ على غيره لا محالة ، فكان من كمال عدل الله ورحمته بخلقه أن جعل يوماً يأخذ كل ذي حقٍ حقه ، وهذا يستدعي معرفة الإنسان ما له وما عليه بشكلٍ واضح لا لبس فيه ، لئلا يحتج فاعلُ الشرِّ بأنه لا يعلم مرادَ الله من خلقِه وإيجادِه ، أهو يتبع الأخلاقَ المغروسةَ في الفِطَر أم يتبع مصلحتَه ولو كانت على حساب غيره ؟
ولو اتّبع الأخلاقَ وقذف بنوازعه الأنانية بعيداً ما الذي يضمن له أنه تفوَّق على من تمسّك بها وحقّق أقصى مُتَعِ الحياة ؟ وإلى غير ذلك من الأسئلة التي لا إجابة عليها إلا عن طريق خبرِ الله عزّ وجلّ ، فإرسالُ الله للرسل هو من تمام عدلِ الله كما قال تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ )
مبشِّرين لِمَن اتّبع أوامرَ الله وصبرَ على مايكونُ من الناس من لوازمِ الحرِّية التي وهَبَها الله إيّاهم ، ومنذِرينَ لِمَن عصى الله وأوقع الضررَ على غيره .

٣- المقارنة بالأحجام نسبيّة ، فلو افترضنا أن الله كلَّف حبةَ رملٍ بما كلَّف به الإنسان لقالت مثل قول السائل : لماذا يهتم الله بمعصية الرمل الذي لا يساوي شيئاً مقارنةً بمخلوقات الله الأخرى كالإنسان مثلاً ؟! ولو كُلِّف كوكبُ الأرضِ لقال : لماذا يهتمُّ الله بمعصيةِ كوكبِ الأرضِ الصغيرِ الذي لا يساوي حجمُه حجمَ الشمسِ الضخمة ؟! ولو كُلِّفتِ الشمسُ لقارنت نفسَها بما هو أعظم منها وهكذا .

٤- السؤال في حقيقته حدٌّ لقدرةِ الله وعظمته ، فهو شبّه الله بالصانعِ الذي صنعَ درّاجةً هوائيةً ، ثم تمكّن بعدَ فترة من صناعة سيارة ، ثم تمكّن من صناعة طيّارة فجعل كلَّ اهتمامه بالطيارة لأن قدرته على صناعة الدرّاجة مرحلة من المراحل لا تعد شيئاً أمامَ قدرتِه على صناعة الطيارة !
وهذا باطل ، لأن الله قادرٌ على كلِّ شيءٍ منذ الأزل ، يخلقُ مايشاء بـ(كُنْ) صَغُر ذلك المخلوقُ أم كَبُر
ويكفي أن تعلمَ أنَّ الله خلقَ الإنسانَ بعد خلقِهِ للسماواتِ والأرضِ وما بينهما ، لِيُبطلَ ذلك القياسَ الفاسد .

فريق نقد الفكر اللاديني